التصالح الجزائي في قانون العقوبات

التصالح الجزائي في قانون العقوبات
التصالح الجزائي في قانون العقوبات
بقلم المنتسب للعيادة القانونية الطالب/ يوسف صلاح صالحة

في إطار علاج مشكلة الزيادة المضطرة فيما يطرح على المحاكم الجزئية من قضايا وفي سبيل وتيسير وتبسيط سير الإجراءات الجزائية تخفيفاً عن كاهل القضايا وتقريب العدل من مستحقين وقلبية الأحكام الدستور اتجهت السياسات الجزائية المعاصرة منذ المنتصف القرن الثامن عشر الباحث عن بدائل جديدة للعقوبة والمتمثلة في التصالح الجزائي لما له من أهمية كبيرة في اخراج الدعوى الجزائية من أسوار الإجراءات الجزائية التقليدية طولية الأمد إلى الأجراءات الجزائية الحديثة قصيرة الأمد حيث كان لها دور فعال من ناحية الإجتماعية في امتصاص رد الفعل الإجتماعي للجريمة من خلال التعويض المادي الذي يحصل عليه المجتمع عليه وأيضا تقريب أطراف الخصومة وتجنيب المتهم في الوصمة التي تلازم الادانة الجزائية لما له هذا أثره من ناحية الإقتصادية من خلال ما يكلفه في تحقق مصلحة للمتهم في تخفيف عليه في مصاريف ونفقات الدعوي العامة ولما له أيضا من الأثر الأكبر من تخفيف وتكدس الدعاوي الجزائية أمام القضاء الجزائي على نحو يحقق فاعليه أجهزة العدالة.

وفي ضوء ذلك قد سار مشرعنا الفلسطيني على نهج التشريعات الجنائية المعاصرة فأقر التصالح في قانون الإجراءات الجنائية الفلسطيني رقم(3) لسنة2001 حيث جاءت المادة(16) " يجوز التصالح في مواد المخالفات والجنح المعاقب عليه بالغرامة فقط ، وعلى مأمور الضبط القضائي المختص عند تحرير المحضر أن يعرض التصالح على المتهم أو وكيله في المخالفات ويثبت ذلك محضره، ويكون عرض التصالح في الجنح من النيابة العامة".

كما نص المادة(17) " على المتهم الذي يقبل التصالح أن يدفع خلال خمسة عشر يوماً من اليوم التالي لقبول التصالح مبلغاً يعادل ربع الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة أو قيمة الحد الأدنى المقرر بها _إن وجد_ أيهما أقل".

كما نصت المادة(18) تنقضي الدعوى الجزائية بدفع مبلغ التصالح ولا يكون للذلك تأثير على الدعوى المدنية".

حيث يتبين من تلك النصوص أن التصالح يلزم أن يتم بناء على عرض من سلطة معينة وهي مأمورة الضبط القضائي في المخالفات أو النيابة العامة في الجنح المعاقب عليها بالغرامة فقط ويت إثباته في المحضر إبتداً.

وأن التصالح لا يتم إلا في جرائم معينة وهي المخالفات والجنح المعاقب عليها بالغرامة فقط

وتم تعريفه بناء على ذلك" بأنه تنازل من الهيئة الإجتماعية عن حقها في الدعوى الجزائية مقابل دفع المتهم للمبلغ الذي حدد القانون".

خصائص التصالح:

أولاً: أساس التصالح الرضائية:

حيث يستند التصالح إلى مبدأ الرضائية وذلك في كافة صوره، إذا لا بد من موافقة المتهم وأيضا موافقة الجهة التي تعرض التصالح حتي يتم التصالح بالشكل المطلوب.

ثانياً: التصالح الجزائي لا يكون إلا بالمقابل:

فإنه يعتبر من مستلزمات التصالح حتى يتم بالشكل الصحيح بدفع المبلغ المتصالح عليه من قبل من قبل المتهم ويتم ذلك بعد خمسة عشر يوماً من اليوم التالي لقبول التصالح وأن يكون المبلغ يعادل ربع الحد الاقصى للغرامة المقررة للجريمة أو قيمة الحد الأدنى المقرر لها وذلك إن وجد أيهما أقل وبذلك ما يميز عن التنازل عن الشكوى على الرغم أن كلاهما سبب لآنقضاء الدعوى الجزائية، حيث أن التنازل غالباً ما يكون دون مقابل وعرض، أما التصالح فهو بمقابل دائماً .

ثالثاً: التصالح الجزائي سببا لأنقضاء الدعوى الجزائية:

حيث أن التصالح يؤدي إلى أنهاء النزاع وبعبارة أدق يؤدي إلى انقضاء الدعوى الجزائية أما الدعوى المدنية فلاتتأثر حتي لو كانت الدعوى الجزائية قد رفعت بطريقة الإدعاء المباشر.

التصالح من منظور فقه الإسلامي:

حيث عرفه فقهاء الشريعة الإسلامية بأنه " العقد الذي تنقطع به الخصومة وبين المتخاصمين.

ومشروعيه:

في الكتاب: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحدهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصحلوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين".(سورة الحجرات:9)

وفي السنة:" عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أكل حراماً" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلمون على شروطهم. رواه أو داود.

الإجماع:" وقد أجمعت الأمة على مشروعية الصلح واستدلوا على ذلك بأقوال كبار الصحابة وأفعالهم ومن ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله:

"ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن" وكان ذلك محضر الصحابة رضي الله عنهم ولا ينكر عليه أحد فاعتبروه إجماعاً.

المعقول: الدليل على التصالح من المعقول أن تركه يترتب عليه الإستمرار في النزاع بين المتخاصمين إثارة الثائرات بين الناس وتأجيج الفتن بين الأمم والشعوب.
حكم التصالح: يتبين لنا من استقراء الآيات القرانية والأحاديث التي وردت بشأن التصالح والتي سبق بيانها أن الشرع الحكيم دعا إليه وقد أمر بالتصالح، فأن ذلك يدل على جواز التصالح.
تقييم التصالح الجزائي:

الإتجاه المعارض للتصالح الجزائي

أولاً: قالو أنه يتعارض مع مبدأ البراءة لأن الأصل في المتهم البراءة حتى يثبت إدانته وفقد يتصالح المتهم مع الضابط القضائية قبل وصول الدعوى إلى حوزة القضاء وقيام المتهم بدفع المبلغ المتصالح عليه فيعتبر وكأنه إقرار وإعتراف بجرمه وذلك يعتبر دليلا كافاٍ لأدانته على الرغم من أنه لم تثبت إدانته بعد.

ثانياً: يخل بمدأ المساواة بين الأفراد لأن منح حق التصالح لا يستفيد منه الإ الاثرياء لأنهم يقدرون على دفع المبلغ المتصالح عليه على عكس الفقراء.
ثالثاً: يهدد مبدأ الفصل بين السلطات حيث يسمح التصالح لجهة الإتهام أن تنهي الدعوى الجزائية دون أن تدخل حوزة القضاء هذا خروجاً عن الأصل هو مبدأ الفصل بين السلطات.

الإتجاه المؤيد:

أولاً: اعتبروه أنه يؤدي إلى تخفيف العبء عن كاهل المحاكم بأنهاء كثير من القضايا خارج نطاق القضاء عملاً بالقاعدة ( العدالة المتفق عليها أفضل من العدالة الملزمة وهي القضاء).

ثانياً: إن نظام التصالح الجزائي يؤدي إلى الإسراع في إنهاء الحق في الدعوى العامة والإسراع في تحصيل الغرامات التى تدخل في خزينة المحكمة.

ثالثاً: أن التصالح يؤدي إلى إشاعة الأمن والإستقرار بين الأفراد ويألف بين القلوب المتناثرة عملاً بالقاعد الصلح السيء أفضل من الخصوم الجيدة.

رابعاً: أنه يخفف على المتهم المشقة والمضايقات ويقلل من النفقات كنفقات الانتقال والدعوى ويجنبه من تضيع الوقت، كما يوفر الوقت اللزم من البقاء في عمله بإطمئان وإستقرار ولا يواجه مشكلات إجتماعية تحول بينه وبين الإندماج في المجتمع.

قواعد التصالح:

أولاً: أطرافه: مأمور الضبط القضائي- النيابة العامة- المتهم.

ثانياً: شروطه من حيث:

نشوءه: الرضا بين الطرفين- وأن تكون الجريمة إرتكبت فعلاً.

الصحة: أن تكون الجريمة من الجرائم القابلة للتصالح.

نفاذه: موافقة الجهات المختصة على التصالح- دفع مبلغ التعويض.

ثالثاً: إثار التصالح من حيث:

قبل إحالتها إلى المحكمة: إذا تم التصالح بشكل المطلوب فإنه يتم حفظ الدعوى من قبل النيابة العامة.

بعد إحالته إلى المحكمة إذا تم التصالح بعد رفع الدعوى فإنه يترتب على ذلك القضاء الدعوي.

بعد صدور الحكم يؤدي التصالح إلى وقف تنفيذ العقوبة

وأخيراً بعد عرض التصالح في القانون الفليسطيني كان يتوجب عليه أن لا يقتصر على المخالفات والجنح المعاقب عليه بالغرامة فقط للذلك للتوسع ليشمل بعد الجرائم الماسة بالأشخاص والأموال وعدم قصر عرض التصالح في المخالفات على المأمور على الضبط القضائي وفي الجنح على النيابة العامة ولكن ممكن أن يجعل العرض في التصالح في المخالفات والجنح للنيابة العامة عمل بالقاعد من يملك الأكثر يملك الأقل وأيضا إيجاد نوع من الرقابة القضائية على إتفاق التصالح، تكفل لكل طرفيه عدم الخضوع لأي تغرير أو إكراه أوضغط للتوقيع على ورقة المصالحة وأيضا نوصي النائب العام الفلسطيني بإصدار التعليمات القضائية للضابطة القضائية لتعريفها بالجرائم الجائز فيها التصالح لتسهيل عملهم في معرفة نطاق التصالح، وبما يضمن تفعيله في الواقع القضائي.

المكتبة القانونية: .

ليست هناك تعليقات:

© جميع الحقوق محفوظة لموقع 2017 المكتبة القانونية
"