تكلم عن الطعن فى أعمال الموظف العام أو من فى حكمه كسبب لإباحة القذف؟

تكلم عن الطعن فى أعمال الموظف العام أو من فى حكمه كسبب لإباحة القذف؟

مصدر الإباحة وعلتها:

بعد أن وضع المشرع تعريفاً للقذف فى الفقرة الأولى من المادة 3022 من قانون العقوبات، نص فى الفقرة الثانية من هذه المادة معدلة بالقانون رقم 147 لسنة 2006 على حق الطعن فى أعمال الموظف العام أو من فى حكمه بقوله: "ومع ذلك فالطعن فى أعمال موظف عام أو شخص ذى صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة لا يدخل تحت حكم الفقرة السابقة إذا حصل بسلامة نية وكان لا يتعدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة وبشرط أن يثبت المتهم حقيقة كل فعل أسنده إلى المجنى عليه ولسلطة التحقيق أو المحكمة بحسب الأحوال أن تأمر بإلزام الجهات الإدارية بتقديم - وأضافت الفقرة الثالثة إلى ذلك: ولا يقبل من القاذف إقامة الدليل لإثبات ما قذف به إلا فى الحالة المبينة فى الفقرة السابقة".

وعلة إباحة الطعن فى أعمال الموظف العام أو من فى حكمه ترجع إلى أهمية الأعمال التى يقوم بها الموظف العام بالنسبة للمجتمع. وخطورة التقصير أو الانحراف فى أداء هذه الأعمال. فالمصلحة العامة تقتضى أن يقوم الموظف بأداء أعمال وظيفته على أكمل وجه، كما أنها تتطلب اكتشاف أى خلل أو انحراف يشوب أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة. لكى يتمكن المجتمع من تفادى أى خطر يمكن يهدد مصلحته من ناحية، ويعاقب الموظف المنحرف عما ارتكبه من ناحية أخرى. ومؤدى ذلك أن الشخص الذى يظهر انحراف الموظف العام أو من فى حكمه عن الواجبات التى تمليها عليه وظيفته، يؤدى خدمة للمجتمع. ومن ثم لا يسأل عما قد يتضمنه فعله منق ذف ضد الموظف أو من فى حكمه، لأن المشرع يغلب المصلحة العامة فى أن تؤدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة على النحو السليم على المصلحة الفردية للموظف أو من فى حكمه فى عدم المساس بشرفه أو اعتباره.

شروط الإباحة:-

لإباحة الطعن فى أعمال الموظف العام طبقاً للفقرة الثانية من المادة 3022 من قانون العقوبات ينبغى توافر أربعة شروط هى:
  • (1) يجب أن يكون القذف موجهاً إلى موظف عام أو شخص ذى صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة.
  • (2) أن تكون الوقائع المسندة إلى الموظف العام أو من فى حكمه متعلقة بأعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة.
  • (3) أن يكون القاذف حسن النية. 
  • (4) أن يثبت القاذف صحة الوقائع التى أسندها إلى الموظف العام أو من فى حكمه.

ونفصل هذه الشروط فيما يلى:

  • (1) يجب أن يكون القذف موجهاً إلى موظف عام أو من فى حكمه.
يتطلب المشرع لإباحة القذف فى هذه الحالة صفة معينة فى المجنى عليه هى أن يكون موظفا عاما أو شخصا ذا صفة نيابية عامة أو مكلفا بخدمة عامة، فإذا أسند المتهم وقائع القذف إلى شخص لا تتوافر فيه هذه الصفة فلا يستفيد من الإباحة المقررة فى المادة 302/2 من قانون العقوبات.

ويقصد بالموظف العام فى هذا الصدد نفس معناه فى القانون الإدارى وهو "كل من يقوم بصفة قانونية بعمل دائم فى خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة عن طريق الاستغلال المباشر ، سواء كان قيامه بهذا العمل بأجر أو بدون أجر".

ويراد بالأشخاص ذوى الصفة النيابية العامة أعضاء المجالس النيابية العامة أو المحلية. سواء كانوا معينين أو منتخبين. 

والمكلف بخدمة عامة هو كل من تكلفه الدولة أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة بالقيام لحسابها بعمل عارض يتصل بالمصلحة العامة. كالخبير أو الحارس القضائى والمصفى، سواء كان قيامه بهذا العمل نظير مكافأة معينة أو بدون مقابل.

ويجمع بين هؤلاء الأشخاص أنهم يؤدون أعمالا ذات أهمية اجتماعية. ولذا أباح القانون الطعن فى أعمالهم تحقيقاً لمصلحة عامة. فإن انتفت الصفة المذكورة فى المجنى عليه. وجبت معاقبة القاذف كما قدمنا. وتطبيقاً لذلك قضى بأنه لما كان الثابت من الأوراق أن المجنى عليه صاحب صيدلية وليس موظفاً عاماً أو مكلفاً بخدمة عامة فلا يكون هناك محل للتحدث عن سلامة النية، ويكون ما يثيره الطاعن بشأن تمتعه بالإعفاء المنصوص عليه فى المادة 302/2 من قانون العقوبات على غير أساس. مع ملاحظة أنه إذا كان المقذوف فى حقه موظفاً عاماً أو من فى حكمه، فإن الطعن فى أعماله يكون مباحاً، حتى ولو كان هذا الموظف أو من فى حكمه قد خرج من الوظيفة وقت ارتكاب القذف، طالما أنه تعلق بالأعمال التى كان يؤديها أثناء شغل الوظيفة.

  • (2) أن تكون الوقائع المسندة إلى الموظف العام أو من فى حكمه متعلقة بأعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة:

يشترط المشرع لإباحة القذف ضد الموظف العام أو من فى حكمه أن يكون متعلقاً بأعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة. ويعنى ذلك، أن القذف لا يكون مباحاً إذا انصب على الحياة الخاصة للموظف العام أو الشخص ذى الصفة النيابية العامة أو المكلف بخدمة عامة.

وتفسير ذلك: أن حياة الموظف العام أو من فى حكمه لها جانبان:


الأول: جانب عام، وذلك فيما يتعلق بأعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة، وهذا الجانب من حق الجمهور معرفته لتأثيره على المصلحة العامة، ولذا أباح القانون الطعن فى الأعمال التى تتصل به.

والثانى: جانب خاص، أى ما يتصل بحياته الشخصية باعتباره فرداً عادياً، مثال ذلك كل ما يتعلق بتنظيم حياته العائلية كالزواج والطلاق، وعلاقاته بجيرانه، وإدارة أمواله الخاصة، وغير ذلك مما يدخل فى نطاق حياته الخاصة. والأصل أن هذا الجانب لا يهم الجمهور، ومن ثم لا يباح الطعن فى الأعمال التى تتعلق به.

ويثور التساؤل عن المقصود بأعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة التى يباح الطعن فيها؟ وللإجابة على هذا التساؤل يمكن القول بأنه يقصد بتلك الأعمال كل عمل يفرض القانون على الموظف أو من فى حكمه القيام به أو يدخل فى نطاق سلطته التقديرية. أى أنها تشمل الأعمال التى تدخل فى اختصاص الموظف – أو من فى حكمه – بصفة مباشرة، سواء بنص قانون أو لائحة أو أمر الرؤساء ، أو بصفة غير مباشرة وفقاً للسلطة التقديرية التى منحها القانون للموظف تحقيقاً للمصلحة العامة.

ولكن قد يصعب فى بعض الأحوال التمييز بين الأعمال التى تدخل فى نطاق الوظيفة، وتلك المتصلة بالحياة الخاصة للموظف العام أو من فى حكمه. ولما قد يكون بينهما من ارتباط وثيق، وفى هذه الحالات يباح الطعن فى الأعمال المتعلقة بالحياة الشخصية للموظف العام أو من فى حكمه التى ترتبط بأعمال الوظيفة ارتباطاً لا يقبل التجزئة أو تؤثر عليها، وبالقدر الذى يقتضيه هذا الارتباط. أو ذلك التاثير، كأن ينسب شخص إلى قاض أنه على علاقة غير مشروعة بزوجة أحد الخصوم فى قضية مطروحة أمامه. أو ينسب شخص إلى موظف أنه توصل إلى التعيين فى وظيفته عن طريق الرشوة. فهذه الوقائع المسندة إلى الموظف، وإن كانت لا تتصل مباشرة بأعمال الوظيفة، إلا أنها دون شك تؤثر عليها تأثيراً واضحاً.

وتقدير توافر الارتباط الوثيق بين الواقعة التى تدخل فى شئون الحياة الخاصة للموظف أو من فى حكمه وبين أعمال وظيفته هو أمر يدخل فى نطاق السلطة التقديرية لقاضى الموضوع فى ضوء ظروف كل قضية على حدة، تحت رقابة محكمة النقض.
  • (3) أن يكون القاذف حسن النية:-

ويفترض حسن النية توافر أمرين.


الأول:- أن يعتقد الطاعن صحة الوقائع التى يسندها إلى الموظف العام أو من فى حكمه، وأن يكون هذا الاعتقاد مبنياً على أسباب معقولة. 

والثانى:- أن يستهدف من ذلك تحقيق المصلحة العامة، لا مجرد التجريح أو التشهير. وقد عبرت محكمة النقض عن هذا المعنى بقولها: "يشترط قانونا لإباحة الطعن المتضمن للقذف فى حق الموظفين أن يكون صادراً عن حسن نية أى عن اعتقاد بصحة وقائع القذف، ولخدمة المصلحة العامة. لا عن قصد التشهير والتجريح". وعلى ذلك، فإذا كان الطاعن فى أعمال الموظف العام أو من فى حكمه سيئ النية، فإنه لا يستفيد من الإباحة المقررة فى الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات، حتى ولو كان – على حد تعبير محكمة النقض – يستطيع إثبات ما قذف به. 

وترجع علة اشتراط توافر حسن النية لدى الطاعن فى اعمال الموظف العام أو من فى حكمه لكى يستفيد من الإباحة المقررة قانوناً إلى أن المشرع قد استهدف من تقرير هذا الحق – كما قدمنا – مصلحة اجتماعية تتمثل فى وجوب القيام بأعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة على النحو السليم، والحرص على اكتشاف أى خلل أو انحراف يشوب أداء تلك الأعمال، ومن ثم ينبغى أن يستهدف الطاعن فى أعمال الموظف عند استعمال حقه الغرض الذى تقرر هذا الحق من أجله. أما إذا كان يريد غرضاً آخر من استعمال الحق، كالتشهير بالمجنى عليه أو الانتقام منه، فإن شرط حسن النية يكون منتفياً، وبالتالى تنتفى الإباحة وتجب معاقبة المتهم. 

وتقدير توافر شرط حسن النية من عدمه هو أمر متروك لمحكمة الموضوع فى ضوء ظروف كل حالة على حدة، وتخضع فى تحديدها لمدلول حسن النية لرقابة محكمة النقض. ووفقاً لما قررته محكمة النقض فإن : "الدفع بالإعفاء من العقاب لحسن النية فى جريمة القذف فى حق موظف عام يعد دفعاً جوهرياً، لما يترتب على ثبوت أو عدم ثبوت صحته من تغير وجه الرأى فى الدعوى، لأن القاذف فى حق الموظفين العموميين يعفى من العقاب إذا أثبت صحة ما قذف به المجنى عليه من جهة، وكان من جهة أخرى حسن النية، بأن يعتقد صحة الإسناد، وأنه يقصد به إلى المصلحة العامة لا إلى شفاء الضغائن والأحقاد الشخصية.

  • (4) أن يثبت الطاعن صحة الوقائع التى أسندها إلى الموظف العام أو من فى حكمه:

ومؤدى هذا الشرط أنه يتعين على القاذف أن يقدم الدليل على صحة جميع الوقائع التى أسندها إلى الموظف العام أو من فى حكمه لكى يستفيد من الإباحة التى يقررها الشارع فى الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات، فإذا عجز عن إثبات صحة هذه الوقائع، وجب عقابه ولا يفيده الاحتجاج بحسن النية.

وقد حددت محكمة النقض مدلول هذا الشرط فقالت: "إن القانون قد اشترط لاعفاء القاذف فى حق الرجال العموميين من العقاب فوق سلامة النية، إثبات صحة الوقائع المقذوف بها، ومعنى هذا الشرط أن يكون القاذف مستعداً على الدليل على صحة ما قذف به وأن يقدمه للمحكمة فتعتمده، أما أن يقدم على القذف ويده خالية من الدليل معتمداً على أن يظهر له التحقيق دليلاً، فهذا لا يجيزه القانون.
ويلاحظ أن جواز إثبات صحة وقائع القذف، واعتباره شرطاً لإباحة القذف يمثل استثناء على القاعدة العامة فى جريمة القذف التى قررها المشرع فى الفقرة الأخيرة من المادة 302 من قانون العقوبات والتى تقضى بأنه "لا يقبل من القاذف إقامة الدليل لإثبات ما قذف به". اللهم إلا فى حالة القذف فى حق الموظف العام أو فى حكمه طبقاً للفقرة الثانية من المادة المذكورة.

وتتمثل علة هذا الشرط فى رغبة المشرع فى حماية المصلحة العامة التى تقتضى – كما قدمنا – اكتشاف أية أخطاء يرتكبها الموظف العام أو من فى حكمه تتعلق بأعمال الوظيفة للعمل على تفادى آثارها، ومعاقبة مرتكبها. وفى الوقت ذاته حماية الموظف العام أو من فى حكمه ضد الطعن الذى يفتقر إلى الدليل.

والوقائع التى يجيز القانون إثباتها فى هذا الصدد هى تلك التى تكون متعلقة بأعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة. أما الوقائع المتعلقة بالحياة الخاصة للموظف أو من حكمه، والتى لا تكون مرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزئة بشئون حياته العامة، أى الوقائع التى وجهت إليه باعتباره فرداً من الأفراد العاديين، فلا يجوز للمتهم إثبات صحتها، وتتوافر بها جريمة القذف حتى ولو كانت صحيحة.
وعبء إثبات صحة الوقائع المسندة إلى الموظف العام أو من فى حكمه يقع على كاهل المتهم. وله أن يستعين فى ذلك بكافة طرق الإثبات بما فيها شهادة الشهود والقرائن. وتطبيقاً لذلك قضى بأن: "القانون لم يقيد حق القاذف فى إثبات ما قذف به بأى قيد، بل هو يبيح له إثبات وقائع القذف بكل الطرق القانونية، واتخاذ أى قرار إدارى فى أمر معين لا يمنع من إثبات أن هذا القرار لم تلاحظ فيه المصلحة العامة، وأنه قصد به المحاباة وخدمة الأشخاص، وليست المحاكم مقيدة عند تقدير هذه القرارات فى قضايا القذف بأن تأخذ بالاعتبارات أو التأويلات التى قد تدلى بها الجهة التى أصدرت القرارات".

وإذا عجز المتهم عن إثبات صحة الوقائع التى أسندها إلى الموظف العام أو من فى حكمه، فإنه يكون مسئولاً، وتجب معاقبته، حتى ولو احتج بأنه كان حسن النية. وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض بأنه: "إذا كان المتهم لم يستطع إثبات صحة جميع الوقائع التى أسندها إلى المجنى عليه (الموظف العام أو من فى حكمه) فإن خطأ الحكم فى صدد سوء النية لا يكون له أثر فى الإدانة".

وبعبارة أخرى: إذا عجز القاذف عن إثبات الواقعة التى ينسبها إلى الموظف، فلا يجديه الاحتجاج بحسن نيته.

ويجب أن يلاحظ أنه ينبغى لإباحة الطعن فى أعمال الموظف العام أو من فى حكمه طبقاً للفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات أن تتوافر جميع الشروط السابقة.

المكتبة القانونية: .

ليست هناك تعليقات:

© جميع الحقوق محفوظة لموقع 2017 المكتبة القانونية
"