Powered by KikBooks Widget

الشريك غير الموظف في جريمة الاختلاس في القانون العراقي

الشريك غير الموظف في جريمة الاختلاس وفق القانون العراقي

بلاشك ان جريمة الاختلاس تعد من احدى جرائم الفساد المالي الذي اخذ يستشري في أعماق أنظمة الحكم في الدول النامية وبضمنها العراق وبما فيها الحكومات المحلية في المحافظات ، سيما اذا كان العراق يمتلك جيشاً جراراً من الموظفين والمكلفين بخدمة عامة فضلاً عن المشاريع الاقتصادية الكثيرة التي تتولى الحكومة والقطاعات المختلفة إنجازها بهدف التقدم والرقي بالدولة في تلك المجالات ولكن اصبح المستفيدون منها عدد من المسؤولين والموظفين الكبار وغيرهم من النفوس الضعيفة وبات الشعب في عمومه من المحرومين لابل زادهم فقراً وحرماناً ،

وبذلك يمكن بشكل عام تعريف جريمة الفساد بانها تلك السلوكيات والاعمال المادية التي يقوم بها الموظف او المكلف بالخدمة العامة ويكون فيها نوع من إساءة استعمال السلطة الموكولة له بقصد تحقيق مكاسب خاصة له او لغيره أيا كان ذلك الغير وقد تطرق قانون العقوبات العراقي المرقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ المعدل الى تلك الجرائم في الباب السادس منه تحت عنوان ( الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة ) والتي جاءت لتشمل جرائم الرشوة والاختلاس وتجاوز الموظفين حدود وظائفهم في المواد من (٣٠٧ -٣٤١) 

وان هذه الجرائم شأنها شأن الجرائم الأخرى قد يرتكبها شخص واحد هو الموظف او المكلف بالخدمة العامة وقد يشترك معه في بعض الأحيان اشخاص اخرين لايحملون صفة الموظف العام وفق قواعد الاشتراك او المساهمة المنصوص عليها في المواد (٤٧ و٤٨ و٤٩ ) من قانون العقوبات العراقي المشار اليه انفاً ، ان هذا الموضوع لايثير اشكالاً بخصوص جرائم الرشوة لوضوح النصوص القانونية الخاصة بها ولكن المشكلة تكمن في جرائم الاختلاس حيث ان أكثرية الفقهاء الجنائيين وتطبيقات القضاء لايصفون فعل الاشتراك الصادر من غير الموظف جريمة اختلاس وانما يعتبرونه جريمة سرقة أموال عامة او ماشابه ذلك أي انهم يذهبون الى ازدواجية الجريمة وإعطاء وصف الاختلاس بالنسبة لجريمة للوظف وإعطاء وصف قانوني اخر مختلف تماماً عن وصف جريمة الموظف بالنسبة للغير المشارك فيها والذي لايحمل صفة الموظف ، من منطلق ان جرائم الاختلاس تتطلب توفر ركن خاص فيها وهو الركن المفترض ويتمثل في كون الفاعل موظفاً ، 


ونرد بعض الأمثلة على مشاركة غير الموظف في جرائم الاختلاس ، منها تحريض الزوجة او الابن او غيرهم من الأقارب والأصدقاء للوظف باختلاس المبالغ الموجودة في حيازته وان الموظف فعلاً يقوم بارتكاب الجريمة بناء على ذلك التحريض وقد يعطي المال المختلس الى ذلك الغير كلاً او جزأً للاستفادة منه او استغلاله في مشروع اقتصادي معين ، هذا الغير اشترك مع الموظف عن طريق التحريض المنصوص عليه في الفقرة ١ من المادة ٤٨ منه ، 

او ان الغير يدخل في اتفاق محكم مع الموظف على اختلاس المبالغ التي بعهدته فان الموظف يرتكب الجريمة بناء على هذا الاتفاق وان هذا الغير اصبح شريكاً مع الموظف في ارتكاب الجريمة عن طريق الاتفاق المنصوص عليه في الفقرة ٢ من المادة ٤٨منه ، او ان هذا الغير قد يشترك مع الموظف المختلس للمال العام في الاعمال المجهزة كان يقوم بايصال الموظف الى المكان الذي وضع فيه المال لاخذه او يقوم معه بكسر اقفال ذلك المكان المحتفظ فيه المال او ماشابه ذلك من الأفعال المجهزة وهو في كل ذلك على علم ودراية من ان الموظف يقصد اختلاس المال العام او يقوم بتزوير بعض المستمسكات الموظف لكي يتمكن من صرف المال وسحبه من المصرف والاستحواذ عليه من قبل الموظف او في الاعمال المسهلة للجريمة، كان يقوم الغير بالوقوف عند الباب الرئيسي للمكان الموجود فيه المال لكي يدخل الموظف الى داخله وهو امن ، او يشاركه في الاعمال المتممة لجريمة الاختلاس كان يقوم بتهيئة سيارة للموظف لكي يتمكن من نقل المال العام بعد اختلاسه له هذه الاعمال التي قام بها الغير تعتبر اشتراكاً أي مساهمة منه مع الموظف في الاعمال المجهزة او المسهلة او المتممة لجريمة الاختلاس المنصوص عليها في الفقرة ٣ من المادة ٤٨ من القانون ،

وفيما يتعلق بجريمة استيلاء الموظف على المال العام او تسهيل استيلاء الغير على المال العام المنصوص عيها في المادة( ٣١٦ ) من القانون وكذلك الاضرار بمصلحة الجهة التي يعمل لديها الموظف للحصول على منفعة ما لنفسه او لغيره المادة ( ٣١٨) من قانون العقوبات او جريمة حصول الموظف على عمولة لنفسه او لغيره من الاشغال او المقاولات او التعهدات التي له شأن في اعدادها او احالتها او تنفيذها او الاشراف عليها المنصوص عليها في المادة (٣١٩) من القانون او جريمة إعطاء الموظف أجور لاشخاص حقيقين لم يقوموا بأي عمل في الاعمال التي تتعلق بوظيفته والمنصوص عليها في المادة( ٣٢٠) من القانون ،بلا شك ان مسؤولية الموظف متحققة وفق احدى الجرائم المشار اليها حسب تحقق شروطها ولكن الاشكال يكمن في هؤلاء الغير الذين يكونون قد استفادوا بشكل مباشر من جريمة الموظف وفي اكثر الأحيان هناك اتفاق مسبق بين الموظف وبينهم قبل ارتكاب الموظف للجريمة المعنية ويجعل منهم من هذه الجهة شريكاً باحد أوجه الاشتراك في جريمة الموظف ، 

والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيفية التعامل من الناحية القانونية مع النشاط الاجرامي الذي قام به هذا الغير والذي قد يكون موظفاً غير مختصاً او يكون من غير الموظفين في الجرائم المشار اليها وربما يكون له الدور الأساسي والمهم في خلق ذهنية ارتكاب الجريمة من قبل الموظف المختص في جرائم الفساد المالي ،

هناك اتجاهان من الناحية الفقهية في تكييف فعل الغير المساهم في الجريمة من غير الموظفين ، 

الاتجاه الاول :- وهو الأكثرية يأخذ بنظام التجزئة قي تقرير المسؤلية الجزائية لمرتكبي تلك الجرائم حيث يرون بان جريمة الموظف هي من جرائم الفساد المالي ( اختلاس والجرائم الأخرى الملحقة بها والتي عقوبتها القصوى قد تصل الى السجن المؤبد يعني عشرون سنة ) بينما تشكل جريمة هذا الغير المساهم وفق وصف اخر يختلف كثيراً عن جريمة الموظف من حيث الأركان والشروط حتى من حيث العقوبة التي تكون غالباً اقل من عقوبة جريمة الاختلاس وكذلك من حيث الاثار القانونية التي يمكن ان تترتب على جريمة هذا الغير والتي تختلف كلياً عن تلك الاثار التي تترتب على جرائم الاختلاس وحجتهم في كل ذلك ان تلك الجرائم تتطلب توفر ركن خاص في مرتكبها وهو ان يكون الفاعل موظفاً وانها من جرائم الموظف وطالما هذا الغير لاتتوفر فيه تلك الصفة لذا يتعين تحديد مسؤوليته وفق وصف اخر قد يكون سرقة مال عام ( المادة٤٤٤/١١ من ق ع والتي تكون الحد الأقصى لعقوبتها السجن لمدة لاتزيد على سبع سنوات او خيانة امانة ( المادة ٤٥٣ من قانون العقوبات والتي عقوبتها القصوى هي الحبس مطلقاً والتي لاتتجاوز مدتها خمس سنوات) او حصوله على مال متحصل من جناية ( وفق المادة ٤٦٠ و٤٦١ من ق ع والتي عقوبتها القصوى السجن لمدة لاتزيد على سبع سنوات) 

الاتجاه الثاني :- وانا منهم ،يأخذ بنظام وحدة الجريمة ولي المبررات الخاصة لهذا التوجه على النحو التالي :- 
أولاً:- ان قانون العقوبات العراقي قد اخذ بنظام وحدة الجريمة وبموجبه يعتبر الجريمة التي يرتكبها الفاعل الأصلي والشركاء جريمة واحدة باعتبار ان الشركاء يستعيرون مسؤوليتهم الجزائية من الفاعل الأصلي ذاته استعارة مطلقة لاتصال افعالهم بفعل الفاعل الأصلي وبالتالي انهم يعاقبون بنفس عقوبة الفاعل الأصلي كما اشارت الى ذلك احكام المادة (٥٠/١) من قانون العقوبات والتي نصت على ( كل من ساهم بوصفه فاعلاً او شريكاً في ارتكاب جريمة يعاقب بالعقوبة المقررة لها مالم ينص القانون على خلاف ذلك ) كما نصت الفقرة ٢ من نفس المادة على ( يعاقب الشريك بالعقوبة المنصوص عليها قانوناً ولو كان فاعل الجريمة غير معاقب بسبب عدم توفر القصد الجرمي لديه او لاحوال أخرى خاصة به ) 
ثانياً:- ان المشرع في قانون العقوبات وفي المادة (٥١١) قد نصت على سريان الظروف المشددة الشخصية التي سهلت ارتكاب الجريمة للفاعل الأصلي 
على الشريك اذا كان عالماً بذلك وبلاشك ان صفة الموظف يعد ظرفاً شخصياً مشدداً ، لذلك يمكن قياس حالة الظرف المشدد على حالة كون الوظيفة في جرائم الفساد المالي ركناً في الجريمة بالرغم من اختلاف الحالتين عن بعضهما البعض ،

ثالثاً:- ان المشرع في المادة ٣٢١/ أ من قانون العقوبات قد الزم المحكمة التي تنظر الدعوى الجزائية بان يحكم فضلاً عن العقوبات المبينة في مواد القانون برد ما اختلسه الجاني او استولى عليه من مال او قيمة ماحصل عليه من منفعة او ربح وفي حالة عدم تبني الاتجاه الثاني يتعذر الرد اذا كان الذي استولى على المال الشريك غير الموظف والذي يكون قد استولى على المال بتسهيل من الموظف المختص او اذا كانت المنفعة او الربح من وراء الجريمة التي ارتكبها الموظف هو الغير وليس الموظف لان القانون بشكل صريح نص على رد ما استولى عليه الجاني من مال او قيمة ما حصل عليه من منفعة او ربح وفي هذا خسارة كبيرة وهدر للمال العام لايمكن قبوله مطلقاً لان الحكم على الغير بالرد لايصح الا اذا اعتبرنا فعل الغير شريكاً مع الفاعل الموظف بنفس الجريمة كما ان الفقرة ب من نفس المادة المشار اليها تمنع اطلاق سراح الموظف بعد قضائه مدة محكوميته ما لم تسترد منه الاموال المختلسة بلاشك ان المشرع أراد بهذا النص حماية المال العام والضغط على المحكوم بلزوم استرداد ما اختلسه فلو اخذنا بالاتجاه الثاني فان الشريك غير الموظف هو الاخر يكون مشمولاً بهذا القيد ، 
لذا وتأسياً على كل ماتقدم من اعتبارات قانونية فان المنطق القانوني السليم ومحاربة الفساد في هذه المرحلة تتطلب من رجال القضاء تبني هذا الاتجاه سيما اذا علمنا بان القضاء احد المنافذ التي يمكن من خلالها التصدي بحزم لمثل تلك الجرائم بالنسبة للموظف والشريك غير الموظف ،

المصادر المعتمدة :
1- سلسلة المحاضرات التي القيتها على طلبة المرحلة الاولى للدورة الاولى والثانية في المعهد القضائي لإقليم كوردستان
2- الدكتورة فوزية عبدالستار ، محاضرات في المساهمة الاصلية في الجريمة دار النهضة العربية ، القاهرة ٢٠١٠ 
3- الدكتور علي حسن الخلف والدكتور سلطان عبدالقادر الشاوي ، المبادئ العامة في قانون العقوبات ، الطبعة الثانية ، شركة العاتك لصناعة الكتب ، القاهرة ، ٢٠١٠ 
4- الدكتور فخري عبد الرزاق الحديثي ، شرح قانون العقوبات القسم العام ، مطبعة الزمان ، ١٩٩٢ 
5- البحث المقدم من قبل القاضية ته رزة سالار عثمان تحت اشرافنا الى المعهد القضائي في إقليم كوردستان كجزأ من متطلبات نيل الدبلوم العالي في العلوم القضائية في المعهد ، ٢٠١٤ - ٢٠١٥

منقول 

المكتبة القانونية: .

ليست هناك تعليقات:

© جميع الحقوق محفوظة لموقع 2017 المكتبة القانونية
"